بالنسبة إلى عبد اللطيف أبو عالية، وهو رجل خمسيني من قرية المغير شمال شرقي رام الله في الضفة الغربية، يعني الدفاع عن جدران المنزل الذي بناه والده في سبعينيات القرن الماضي الدفاع عن وجود عائلته والقرية بأكملها. ويهاجم المستوطنون أراضي القرية ومزارعها ومداخلها شبه يوميًا، بينما تحاصر البؤر الاستيطانية القرية من جهاتها الأربع، وفق ما ترصد أنصار عتمة في هذا التقرير.


ويكشف تقرير أعدته أنصار أطميزة ونشرته المنصة، تصاعد اعتداءات المستوطنين على قرية المغير، التي تواجه حصارًا متزايدًا وتضييقًا على حركة سكانها ووصولهم إلى أراضيهم، في ظل انتشار البؤر الاستيطانية وإغلاق سلطات الاحتلال معظم مداخل القرية.


«سأموت هنا». بهذه الكلمات الحاسمة يلخص أبو عالية سنوات المواجهة مع إرهاب المستوطنين وجيش الاحتلال. ويقع منزله على الطرف الشمالي للقرية، وأصبح هدفًا شبه يومي للمستوطنين وأغنامهم، تحت حماية جيش الاحتلال. ويسقط أبناء القرية بين قتيل وجريح، بينما تتقلص قدرة السكان على الوصول إلى أراضيهم وزراعتها والعمل فيها.


وقضت المنصة أسابيع في التخطيط للزيارة، إذ لا يمكن الوصول إلى القرية إلا عبر القرى المجاورة، فيما يشكل مجرد الوصول إلى المغير مخاطرة بحد ذاته.

 


هدوء خادع يحاصر قرية المغير


تابعتُ أخبار المغير في انتظار هدوء مؤقت، واتصلت بمرزوق أبو نعيم، عضو مجلس القرية، للاستفسار عن إمكانية الدخول بأمان، لكنه لم يستطع ضمان ذلك. وفي اليوم نفسه الذي أجريت فيه الاتصال، شن مستوطنون هجومًا على القرية.


وفي يوم الزيارة، تركتُ سيارتي واستأجرت سيارة أخرى يقودها شخص يعرف طرق المنطقة وظروفها، لتجنب أي مخاطر إضافية. وطوال الطريق، واصلت متابعة أخبار القرية، والطرق المفتوحة والمغلقة والتحذيرات من وجود مستوطنين على بعض المسارات.


واستغرقت الرحلة من رام الله أكثر من ساعة، وكان أي خبر عن هجوم أو إغلاق سيضطرنا إلى تغيير الطريق. لكن الرحلة مرت دون حوادث، وساعدت معرفة السائق بالطرق في الوصول إلى مدخل القرية دون أن يوقفنا مستوطنون أو حواجز عسكرية.


ثم ظهرت المغير في الأفق، هادئة على نحو خادع؛ بيوت متناثرة فوق التلال وكأنها تستسلم لسكون دائم، لا لهدنة مؤقتة تسبق ما قد ترسله البؤر الاستيطانية المحيطة بها، كأنها أبراج مراقبة، في الهجوم التالي.


وصلنا إلى المدخل الوحيد المتبقي للقرية. فقد أغلق الاحتلال طريقين من أصل ثلاثة مداخل كانت تصل إليها؛ أحدهما على الطريق 458 المعروف باسم طريق ألون، والآخر بين المغير وترمسعيا. ولم يبق سوى الطريق الذي يمر عبر ترمسعيا وأبو فلاح.


وعلى جانبي الطريق، تمتد مساحات من الأراضي تغطيها أعشاب صفراء ذابلة تتخللها بقع سوداء. وقال السائق إنها كانت حقولًا للقمح والشعير، لكن اعتداءات المستوطنين خلال الأشهر الماضية تركتها جرداء ومحترقة.


وفي قلب القرية، بدت الشوارع شبه خالية. وعبر بعض السكان الطريق، بينما وقف آخرون عند مداخل منازل تحصنت بجدران وبوابات حديدية. واستقبلنا السكان بنظرات حذرة. واقترب أحد المارة وسأل السائق عن هويتنا وما الذي نريده، ثم نظر إلينا ومضى، لكن الحذر ظل واضحًا في تصرفاته.

 


أسلاك شائكة في مواجهة المستوطنين


يبرز منزل عبد اللطيف أبو عالية بين منازل القرية، إذ يقف منفردًا على أطرافها، ببوابته الحديدية وجدرانه التي تعلوها الأسلاك الشائكة. وترتفع من خلف الجدران أصوات أطفال يلعبون في فناء مخفي داخل المنزل المؤلف من ثلاثة طوابق، حيث يعيش 22 فردًا من العائلة، بينهم والد أبو عالية وشقيقه وأبناؤهما.


وقبل تصاعد اعتداءات المستوطنين على القرية، كان عبد اللطيف يمارس حياته المعتادة، ويستمر في أعمال البناء حتى ساعات متأخرة من الليل. أما الآن، فعليه العودة إلى المنزل مبكرًا لحماية أسرته ومنزله، الذي أحاطه قبل عامين بجدار وأسلاك شائكة في محاولة لمنع المستوطنين وأغنامهم من الاقتراب منه.


وأصبح مجرد مغادرة المنزل، سواء لخروج الأطفال إلى المدارس أو ذهاب البالغين إلى أعمالهم، معاناة يومية يطاردها الخوف. فقد تحولت الهجمات التي كانت تقع عدة مرات شهريًا قبل ثلاثة أعوام إلى اعتداءات شبه يومية منذ السابع من أكتوبر. ويقول عبد اللطيف للمنصة: «لا أحد يرتاح، ليلًا أو نهارًا. لا تستطيع البقاء في المنزل، وعندما تذهب إلى العمل يظل تفكيرك معلقًا بالبيت».


ولم يعد أمام الأطفال مكان للعب سوى داخل الجدار. وتتبادل الأسرة حراسة المنزل، فلا تتركه خاليًا خشية محاولة المستوطنين الاستيلاء عليه، وهو ما اقتربوا من فعله أكثر من مرة. وفي بعض الأحيان، كان المستوطنون يدفعون بأغنامهم إلى فناء المنزل، الذي بُني قبل اتفاقيات أوسلو وتقسيم الضفة الغربية إلى المناطق «أ» و«ب» و«ج»، وهو ما دفع أبو عالية إلى تركيب الأسلاك الشائكة.


ويشير أبو عالية إلى أن منزله يحمل ترخيصًا من الإدارة المدنية الإسرائيلية، لكنه يعيش رغم ذلك تحت تهديد دائم، إذ يبعد 197 مترًا فقط عن طريق ألون، وهو طريق استيطاني يمتد بمحاذاة المنحدرات الشرقية للضفة الغربية باتجاه غور الأردن، ويرتبط تاريخيًا بخطة ألون التي وضعت عام 1967 بهدف تكريس السيطرة الإسرائيلية على غور الأردن والمناطق الواقعة شرق الضفة الغربية.


وخلال السنوات الثلاث الماضية، تحول فناء المنزل مرارًا إلى ساحة مواجهات بين السكان والمستوطنين. وفي يوليو/تموز 2026، أصيب فتى يبلغ 17 عامًا، هو فادي النعسان، في هجوم استهدف المنزل، قبل أن يفارق الحياة متأثرًا بجراحه بعد أيام.


وكان النعسان من بين أهالي القرية الذين تصدوا لمحاولة مستوطنين إزالة الأسلاك الشائكة المحيطة بالمنزل. ويعد واحدًا من سبعة فلسطينيين على الأقل قتلهم المستوطنون أو قوات الاحتلال في المغير خلال هجمات أو مداهمات منذ السابع من أكتوبر 2023.


وتشير أرقام حصلت عليها المنصة من هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى تصاعد حاد في الاعتداءات على المغير خلال السنوات الأخيرة. فقد شهدت القرية 84 اعتداءً في عام 2024، نفذ المستوطنون 42 منها، فيما نفذت قوات الاحتلال باقي الاعتداءات.

 

وارتفع العدد إلى 429 اعتداءً في عام 2025، بينها 140 اعتداءً نفذها المستوطنون، بينما سجلت القرية 266 اعتداءً خلال النصف الأول من عام 2026 وحده، بينها 62 اعتداءً للمستوطنين. ويعني ذلك أن ستة أشهر فقط شهدت اعتداءات تعادل أكثر من 60% من إجمالي ما سجلته القرية طوال عام 2025.

 


البؤر الاستيطانية تطوق المغير وتوسع دائرة الخطر


بدأت البؤر الاستيطانية تحاصر المغير تدريجيًا منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي. وكانت أولى هذه البؤر «عدي عاد»، التي أقيمت عام 1998 على أراضٍ خاصة تابعة لقريتي جالود وترمسعيا. ومنذ ذلك الحين، توسع الاستيطان حتى أصبحت سبع بؤر استيطانية تحاصر القرية من مختلف الجهات.


وعلى مدار نحو ثلاثة عقود، اعتاد سكان المغير هجمات المستوطنين على قريتهم. وسجلت وثائق الأمم المتحدة، تعود إلى أكتوبر 2013، اعتداءات متكررة خلال موسم قطف الزيتون، شملت تخريب الأشجار واقتلاعها وحرقها وسرقة المحاصيل والاعتداء على المزارعين.


لكن عبد اللطيف يعتبر الفترة الممتدة من السابع من أكتوبر وحتى اليوم «أخطر منعطف» مرت به القرية، إذ انتقلت الاعتداءات من حوادث متفرقة إلى تهديد شبه يومي، تحت حماية جيش الاحتلال.


وتظهر بيانات الأمم المتحدة وحقوق الإنسان تصاعدًا حادًا في سرقة محصول الزيتون والاعتداء على المزارعين منذ أكتوبر 2023. فقد وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أكثر من 200 اعتداء مرتبط بموسم الزيتون في عام 2024، أي نحو ضعف اعتداءات عام 2023 وأكثر من ثلاثة أضعاف عددها في 2022. وسجل المكتب 178 اعتداءً خلال موسم 2025، شملت مهاجمة المزارعين وسرقة المحاصيل ومعدات الحصاد وتدمير أكثر من ستة آلاف شجرة وشجيرة.


وفي أغسطس 2025، فرض جيش الاحتلال حصارًا وحظر تجول على القرية لمدة ثلاثة أيام. وصُدم السكان بعدها عندما اكتشفوا أن مستوطنين، بمساعدة جنود إسرائيليين، اقتلعوا نحو عشرة آلاف شجرة زيتون، يعود عمر بعضها إلى أكثر من 90 عامًا.


ويقول مرزوق أبو نعيم، عضو المجلس المحلي في المغير، للمنصة إن السكان يظلون في حالة تأهب مستمر تحسبًا لهجمات المستوطنين الذين يندفعون نحو القرية من مختلف الاتجاهات، في مجموعات أو فرادى، ما يجعل تجنب مواجهتهم أمرًا شبه مستحيل.


وفي نوفمبر 2025، خرج أيمن أبو عالية وزوجة شقيقه لقطف الزيتون في الجزء المتبقي من أرضه قرب ترمسعيا، بعدما استولى الاحتلال على ما لا يقل عن 100 دونم منها. وهاجمهما مستوطنون أثناء عملهما. وفر أيمن إلى سيارته، لكن المستوطنين حطموا أجزاء منها وقطعوا إطاراتها، ما اضطره إلى الفرار سيرًا على الأقدام.


ثم طارده نحو 40 مستوطنًا وضربوه بالعصي والهراوات والقضبان الحديدية. وفي خضم الاعتداء، بقي بعض المستوطنين الذين هاجموه في الحقل واعتدوا على زوجة شقيقه، ما أصابها بارتجاج في المخ وأدخلها وحدة العناية المركزة لمدة ثلاثة أيام، بينما أصيب هو بكدمات وكسور.


ولا تقتصر المخاطر التي تواجه القرية على اعتداءات المستوطنين، إذ يدير جيش الاحتلال حاجزًا عند المدخل الوحيد المتبقي للمغير، ويعطل حركة المرور لساعات، وأحيانًا يمنع السكان من العودة إلى منازلهم. وعندما يحدث ذلك، يلجأ السكان إلى قرية خربة أبو فلاح المجاورة، حيث يستضيفهم الأهالي ويوفرون لهم الطعام.


ويقول أيمن للمنصة: «أهل خربة أبو فلاح، الله يبارك فيهم. يعطوننا مكانًا ننام فيه وطعامًا وشرابًا عندما يمنعنا الاحتلال من العودة إلى بيوتنا في المغير».


ويروي أن الجنود عادة ما يأخذون أي أموال يحملها الشخص في جيبه، مهما كان مقدارها، ما يدفع بعض الأهالي إلى إخفاء أموالهم في أماكن غير مألوفة حتى لا يصادرها الجنود.


ويقول عدد من سكان القرية إن الجنود يسيئون معاملتهم عند حواجز مختلفة بمجرد أن تكشف بطاقات هوياتهم أنهم من المغير. ويرى السكان أن ذلك يشير إلى حملة منهجية لدفعهم إلى ترك القرية، التي تشكل حلقة وصل بين المستوطنات المحيطة وغور الأردن.


وتغطي المغير، وفق معهد الأبحاث التطبيقية في القدس «أريج»، أكثر من 33 ألف دونم. وبموجب اتفاق أوسلو الثاني، يقع نحو 1,934 دونمًا فقط، أي 5.9% من مساحة القرية، ضمن المنطقة «ب»، حيث تتركز غالبية المساكن، بينما تتولى السلطة الفلسطينية مسؤولية الشرطة العامة مع احتفاظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية الكاملة.


أما الأراضي المتبقية، وتبلغ 31,121 دونمًا، أي 94.1% من مساحة القرية، فتقع ضمن المنطقة «ج» الخاضعة للسيطرة العسكرية والإدارية الإسرائيلية الكاملة.


ويمنح هذا الموقع الاستراتيجي اعتداءات المستوطنين على القرية أهمية تتجاوز حدودها. ويقول أمير داوود، رئيس قسم التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، للمنصة إن المغير، بما تملكه من أراضٍ زراعية ومراعي، تقع في قلب مشروع استيطاني يستهدف ربط البؤر الاستيطانية المحيطة والسيطرة على الشريط الممتد بين مرتفعات رام الله وغور الأردن.


ويسهل طريق ألون وصول المستوطنين وحركتهم، في الوقت الذي تغلق فيه مداخل القرية ويُقيد وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم.


ولهذا أصبحت المغير هدفًا لموجات متتالية من اعتداءات المستوطنين، شملت مهاجمة السكان وحرق الممتلكات والحقول واقتلاع الأشجار وسرقة المواشي ومنع الزراعة والرعي، ما يدفع الوجود الفلسطيني تدريجيًا بعيدًا عن جانبي الطريق ويفتح المجال أمام توسع الحزام الاستيطاني المحيط بالقرية.


ويربط داوود هذا التصعيد بالدعم الذي تقدمه الحكومة الإسرائيلية للاستيطان بأشكال متعددة، تشمل شرعنة بعض البؤر الاستيطانية وتمويل الطرق والخدمات والبنية التحتية وتسليح المستوطنين وتوفير الحماية العسكرية لهم وإغلاق الأراضي في وجه أصحابها. ويحول هذا التداخل ما يفرضه المستوطنون على الأرض إلى وقائع تثبتها لاحقًا إجراءات التخطيط والإدارة.


وانتشرت البؤر الاستيطانية في أنحاء الضفة الغربية على نطاق واسع منذ النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي. ووفق منظمة «السلام الآن» الإسرائيلية، التي تأسست عام 1978 وتدعو إلى إنهاء الاحتلال والتوصل إلى حل الدولتين، توجد حاليًا نحو 400 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية، بينها 163 بؤرة تقليدية و237 بؤرة زراعية ورعوية، إلى جانب 146 مستوطنة تعترف بها الحكومة الإسرائيلية رسميًا.


وتسارعت وتيرة إنشاء البؤر الجديدة خلال السنوات الأخيرة، إذ وثقت «السلام الآن» إنشاء 185 بؤرة جديدة بين بداية عام 2023 ومنتصف عام 2025، مقارنة بمتوسط يقل عن سبع بؤر سنويًا بين عام 1996 وبداية 2023.


وباتت البؤر الزراعية تسيطر فعليًا على أكثر من 1.1 مليون دونم من إجمالي مساحة الضفة الغربية البالغة 5.65 مليون دونم، بينها نحو 750 ألف دونم استولى عليها المستوطنون منذ وصول الحكومة الإسرائيلية الحالية إلى السلطة.
 

وعند مغادرة المغير عبر مدخلها الوحيد، رأينا مجموعة من المستوطنين تتجمع قرب الطريق. ولم يكن السكان قادرين على معرفة ما إذا كانوا مجرد عابرين أم أنهم يستعدون لهجوم جديد، من النوع الذي ينتظره الأهالي الآن بصورة شبه يومية.


وبعد أيام من الزيارة، مساء الأربعاء الثاني من سبتمبر، وصلتنا أنباء عن إطلاق قوات الاحتلال والمستوطنين النار على شابين، هما عمر محمد نعسان وخليل أبو عالية، وكلاهما في التاسعة عشرة من العمر، خلال هجوم استهدف وسط القرية ومحاولة لسرقة أغنام.


وعندما حاول السكان صد الهجوم، فتح قناصة النار عليهم بالذخيرة الحية، فأصابوا الشابين بجروح خطيرة قبل أن يفارقا الحياة في المستشفى.


وبذلك ارتفع عدد الفلسطينيين الذين قتلوا في المغير منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى تسعة.

 

https://almanassa.com/en/stories/33843